إيقاف السيارات وقت أداء الصلاة

 

أثناء قراءتي لفتاوى سماحة الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله مفتي الديار السعودية سابقاً استوقفتني رسالة وجهها سماحته لجلالة الملك سعود رحمه الله عام ١٣٨٠هـ يطلب منه تكليف رجال المرور بإيقاف السيارات من السير في الطرقات أثناء أداء الصلاة.
توقفت كثيراً وأنا أقرأ هذه الرسالة، وبدأت الخيالات اللطيفة تسبح في مخيلتي، ماذا لو نُفّذَ مضمون هذه الرسالة؟ كيف سيكون شكل المدن؟ وهل ستكون الطرق الآن بنفس تصميمها الحالي؟ وكم عدد المساجد ومنشآت المواقف التي ستكون مثلاً على جانبي طريق الملك فهد بالرياض أو شارع فلسطين بجدة؟ هل ستكون المصليات في هذين الطريقين أكثر من المعارض التجارية؟ وهل سيكون موضوع السماح للسيارات بالسير أثناء الصلاة هو الموضوع البارز في صحفنا بدلاً من قيادة المرأة للسيارة؟ وماهي المبررات التي سيقدمها الداعين لهذا الأمر الخطير الذي سيعدّ تطبيقه تحولاً كبيراً؟ هل هو مبرر الحالات الطارئة المتوجهة للمستشفى وقت الصلاة؟ أم أن الكثير من السائقين هم من المسافرين وقد أدّوا الصلاة سابقاً ولا داعي لإيقافهم؟ وهل سيكون مجتمعنا مهيئاً وجاهزاً لهذا التغيير إن صدر القرار به؟
إن هذه التساؤلات اللطيفة المصحوبة بابتسامات صامتة دعتني إلى تساؤل أهم وأكبر أخمد كل ابتسامة ارتسمت على وجهي، وهو هل يمكن لقرار إداري واحد أو فتوى واحدة أن تغير من شكل المجتمع وثقافته وهندسته المدنية والإنشائية بل ورؤية هذا المجتمع للأمور؟
إن هذا السؤال جدير بأن تعقد له الاجتماعات الجادة من أهل الاختصاص والحل والعقد للوصول إلى جواب حاسم فيه، ذلك أن الجواب الذي سيتم الوصول إليه ينبغي أن يكون القاعدة الأهم التي ينطلق منها كل قرار إداري وكل فتوى في الشأن العام، فلا مجال إذن للقرارات المستعجلة وغير المدروسة.
إن كل قرار يبدأ بانقداح فكرة ما، وهذه الفكرة قد تمس أمراً أساسياً أو هامشياً، ومن هنا يمكن تشبيه الأفكار الأساسية بحسب المثير للجدل جوستاف لوبون بمياه نهر يمشي ببطء، وأما الأفكار العابرة فتشبه الأمواج الصغيرة المتغيرة دائماً والمتحركة على السطح، وعلى الرغم من أنها ليست ذات أهمية حقيقية فإنها أكثر وضوحاً من مسار النهر نفسه.
ويضيف أيضاً في كتابه سيكيولجية الجماهير الذي يقرأه كل سياسي وينكر ذلك : “إذا كان يلزم وقت طويل لكي تترسخ الأفكار في نفوس الجماهير فإنه يلزم وقت لا يقل عنه طولاً لكي تخرج منها، وكل رجالات الدولة السياسيين يعرفون ما تشتمل عليه بعض الأفكار من أخطاء، لكن بما أن تأثيرها على النفوس لا يزال قوياً حتى الآن فإنهم مضطرون للحكم بموجبها على الرغم من أنهم انفكوا من الاقتناع بحقيقتها”.
إنني هنا لا أتحدّث عن أفكار أو ثوابت عقدية أو أمنية قضت الشريعة أنها لا تتغير مهما تغير الزمان، وإنما أتحدث عن تلك الأفكار والمتغيرات التي تتشكل بشكل الزمان وتتلون بلون المكان، وتسير ببطئ وقوة لنتغير دون أن نشعر.
ولمزيد من فهم المقصود أذكّر القارئ أنه في يوم ما كان محرماً على أنثى أن تمسك سماعة الهاتف المنزلي المثبت بعناية في مكان يراه ويسمع ما يدور فيه كل فرد في العائلة، وربما انهالت عليها الأسئلة ومحاضر التحقيق العائلية إن هي تجرأت على فعل ذلك، واليوم نرى مع كل أنثى هاتفها الخاص الذي لا يعلم بما يحويه إلا هي وخالقها، دون أن نجد حتى من ينكر ذلك وينتقده، بل ثمة من يفتي بحرمة تعدي رجل الأسرة على خصوصيات هواتف عائلته. لقد تغير المجتمع في هذه المسألة إلى النقيض تماماً في وقت وجيز، وتنازل عن شكوكه وتحقيقاته دافعاً بمبدأ الرقابة الذاتية إلى أعلى مستوياتها.
ولست أدري مالذي سيكون ممنوعاً ومالذي سيكون مباحاً في المستقبل، لكنني مقتنع أن التغيير عملية مستمرة لا يمكن التحكم بها بسهولة، وإن على ناشدي الإصلاح التركيز على تثبيت الأفكار التي تشكل القيم العامة والمبادئ الأصيلة لمجتمعنا، تلك التي نشأت وظهرت لتدوم، ولتشكّل هويتنا وسبب وجودنا وتميزنا الثقافي، أما محاولة مقاومة المتغيرات السريعة فهي إضاعة للجهد، وأمر لا يؤدي إلى نتيجة. إن هذه الأفكار والمتغيرات السريعة تتبع بطبيعتها للأفكار الكبرى، فعلينا أن نترك الأمواج الصغيرة ونركّز على المسار الأهم للنهر، فلو استطعنا ضبط مساره فإننا بلا شك سنرى مؤشرات ذلك من خلال مايطفو عليه من أمواج.
هكذا يمكن أن أقرأ بطريقة صحيحة رسالة الإمام الكبير ابن إبراهيم رحمه الله للملك سعود، فلو كنت مكانه وفي نفس ظروف زمانه ما وسعني أداءً للأمانة إلاّ كتابة تلك الرسالة، ولو كان في مكاني وفي نفس ظروف زماني لربما ابتسم وتساءل باندهاش: كم رجل مرور سنحتاج لإيقاف السيارات في الرياض؟

فيصل بن سعود العنزي